الجصاص
310
أحكام القرآن
الكافر وعصمة ماله ودمه " ، وهو نظير ما روي في آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " ، وفي بعضها : " وأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " ، رواه عمر وجرير بن عبد الله وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة . وقالوا لأبي بكر الصديق حين أراد قتل العرب لما امتنعوا من أداء الزكاة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " فقال أبو بكر : إلا بحقها ، وهذا من حقها ، فاتفقت الصحابة على صحة هذا الخبر ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا ) ، فحكم الله تعالى بصحة إيمان من أظهر الاسلام ، وأمرنا بإجرائه على أحكام المسلمين وإن كان في المغيب على خلافه . وهذا مما يحتج به في قبول توبة الزنديق متى أظهر الاسلام ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره إذا أظهر الاسلام ، وهو يوجب أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، أو قال إني مسلم ، أنه يحكم له بحكم الاسلام ، لأن قوله تعالى : ( لمن ألقى إليكم السلم ) إنما معناه : لمن استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الاسلام . وإذا قرئ " السلام " فهو إظهار تحية الاسلام ، وقد كان ذلك علما لمن أظهر به الدخول في الاسلام ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قتل الرجل الذي قال أسلمت والذي قال لا إله إلا الله : " قتلته بعد ما أسلم ؟ " فحكم له بالإسلام بإظهار هذا القول . وقال محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : " لو أن يهوديا أو نصرانيا قال أنا مسلم لم يكن بهذا القول مسلما ، لأن كلهم يقولون نحن مسلمون ونحن مؤمنون ويقولون إن ديننا هو الإيمان وهو الاسلام ، فليس في هذا دليل على الاسلام منهم " ، وقال محمد : " ولو أن رجلا من المسلمين حمل على رجل من المشركين ليقتله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كان هذا مسلما ، وإن رجع عن هذا ضرب عنقه ، لأن هذا هو الدليل على الاسلام " . مطلب : في بيان المراد من قوله عليه السلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " قال أبو بكر : لم يجعل اليهودي مسلما بقوله : " أنا مسلم أو مؤمن " ، لأنهم كذلك يقولون ، ويقولون الإيمان والإسلام هو ما نحن عليه ، فليس في هذا القول دليل على إسلامه ، وليس اليهودي والنصراني بمنزلة المشركين الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم